يكشف الكاتب رانجان سولومون أن الجمود الدبلوماسي الأخير بشأن مضيق هرمز يعكس جوهر الأزمة في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران؛ فبينما تسعى واشنطن إلى انتزاع تنازلات من طهران، تطالب الأخيرة بالتزامات واضحة وضمانات موثوقة، وإنهاء ما تعتبره نهجًا قائمًا على الضغوط وتغيير المطالب وتقويض الثقة.
ووفقًا لما أورده موقع «ميدل إيست مونيتور»، وصف رئيس الأمن الإيراني محسن رضائي، في 11 أكتوبر، الرد الأمريكي على الشروط السبعة التي وضعتها إيران لإعادة فتح مضيق هرمز بأنه غير كافٍ. وتقول طهران إن واشنطن وافقت على بعض الشروط، لكنها أبقت شروطًا أخرى غامضة. كما يختلف الطرفان بشأن ترتيب تنفيذ الالتزامات، ولا سيما ما إذا كان ينبغي تناول البرنامج النووي الإيراني منذ البداية، أم إعطاء الأولوية الفورية لاستعادة أمن الملاحة البحرية وتسوية النزاع. وتؤدي قطر دور الوسيط في المفاوضات. ولا تقتصر هذه الخلافات على مسائل فنية بسيطة، بل تمس جوهر التساؤل بشأن مدى استعداد كل طرف للوفاء بأي اتفاق.
ولهذا تحديدًا، لم تعد الضمانات الأمريكية كافية لإقناع طهران.
فما قيمة وعد دبلوماسي جديد من وجهة نظر إيران، إذا ظلت الشروط غامضة، واستمرت المطالب في التغير، أو تواصلت الضغوط العسكرية بينما يُفترض أن المفاوضات جارية؟ لا يمكن مطالبة دولة بتقديم تنازلات استراتيجية جوهرية لمجرد أن خصمًا أقوى منها يؤكد إمكانية التوصل إلى اتفاق.
بل يجب إثبات المصداقية من خلال التزامات محددة، وآليات تنفيذ قابلة للتحقق، وضمانات لا يمكن التخلي عنها بسهولة بمجرد تغير الظروف السياسية.
ولا تتعلق القضية الأساسية بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز، بل بما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض مع إيران بوصفها طرفًا متكافئًا يمتلك مخاوف أمنية مشروعة، أم أنها تريد إبقاءها تحت الضغط إلى أن تقبل الشروط التي تفضلها واشنطن.
لسنوات، اعتمدت الولايات المتحدة على العقوبات والانتشار العسكري والنفوذ الدبلوماسي والتهديد بالتصعيد للتأثير في القرارات الإيرانية. وقد تنظر واشنطن إلى هذه الأدوات باعتبارها وسائل لحماية الأمن القومي، لكن طهران تراها دليلًا على أن المفاوضات قد تتحول إلى ساحة أخرى للإكراه. ولا يمكن تجاهل هذا التصور إذا كانت واشنطن تسعى بجدية إلى تسوية مستدامة.
فلا يمكن المطالبة بالثقة مع رفض معالجة الأسباب التي أدت إلى انهيارها، كما لا يمكن الترويج للدبلوماسية بينما يُخشى الطرف الآخر من أن تتحول تنازلاته اليوم إلى نقاط ضعف تُستغل ضده غدًا.
ومن ثم، يعكس رفض إيران الرد الأمريكي غير الكافي إصرارًا على أن تحمل المفاوضات مضمونًا حقيقيًا. وتؤكد طهران أنها لن تتخلى تلقائيًا عن أوراق قوتها الاستراتيجية مقابل ضمانات مبهمة. وبغض النظر عن الموقف من السياسات الإيرانية، فإن المبدأ الأساسي واضح: يجب أن يتضمن أي اتفاق التزامات متبادلة، لا تنازلات من طرف واحد مع ترك حرية التصرف للطرف الآخر.
وتُظهر إيران أيضًا ثقة استراتيجية بنفسها، إذ ترفض التسليم بأن التفوق العسكري والاقتصادي الأمريكي يمنح واشنطن الحق تلقائيًا في فرض نتائج المواجهة. وتتمثل رؤيتها في ضرورة معالجة أمنها وسيادتها ومصالحها الوطنية قبل اعتبار أي تسوية جديرة بالثقة. ولا تضمن هذه الثقة انتصار إيران في كل مواجهة، كما أنها لا تلغي المخاطر الاقتصادية والعسكرية الكبيرة التي تواجهها، لكنها تكشف أن الضغوط وحدها لم تحقق النتيجة الدبلوماسية التي تسعى إليها واشنطن.
مضيق هرمز: ورقة ضغط استراتيجية تتجاوز واشنطن وطهران
لا يُعد مضيق هرمز ممرًا ملاحيًا عاديًا؛ فقبل اندلاع الصراع الحالي، كان يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال. ويمكن أن تؤدي الاضطرابات الممتدة فيه إلى ارتفاع أسعار النفط الخام وتكاليف التأمين على السفن والنقل ومعدلات التضخم، فضلًا عن إلحاق الضرر باقتصادات دول بعيدة جغرافيًا عن ساحة المواجهة.
وتمنح هذه الحقيقة الصراع تداعيات تتجاوز الولايات المتحدة وإيران. فالدول المستوردة للطاقة، ولا سيما تلك المعرضة بالفعل لارتفاع أسعار الوقود، لديها أسباب قوية للمطالبة بحل دبلوماسي جاد.
لكن ينبغي التمييز بين امتلاك أوراق الضغط وتحقيق النصر. فقد تفرض القيود على حركة الملاحة تكاليف على الولايات المتحدة وشركائها، لكنها قد تضر أيضًا بإيران والدول المجاورة والشحن التجاري وملايين الأشخاص حول العالم. وتتمثل النتيجة الدبلوماسية الأفضل في تحويل أوراق الضغط الخطيرة إلى ترتيبات أمنية ملزمة وقابلة للتنفيذ، بدلًا من إبقاء الاقتصاد العالمي رهينة مواجهة آخذة في التصعيد.
وعلى واشنطن أن تحسم ما إذا كان هدفها التوصل إلى اتفاق مستدام، أم إظهار أنها أجبرت إيران على الخضوع. فالنتيجتان مختلفتان تمامًا.
ولا يمكن فصل إسرائيل عن هذه الأزمة. فقد بدأت الحرب بالضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، وفقًا لما أوردته تقارير وكالة رويترز. وجعلت المواجهة التي أعقبت ذلك مسألة الضمانات الأمنية محورًا أساسيًا في الحسابات الإيرانية.
ومن وجهة نظر طهران، لا يوجد ما يدعو إلى الثقة في مسار دبلوماسي يظل فيه التصعيد العسكري احتمالًا قائمًا بالتزامن مع استمرار المفاوضات. ومن حق إيران أن تتساءل عما إذا كان أي اتفاق مع واشنطن سيصمد أمام تغير الاستراتيجية الأمريكية أو تجدد الهجمات أو الضغوط التي تمارسها حلفاء إقليميون.
وهنا يستحق النهج الإسرائيلي تدقيقًا نقديًا حادًا.
فإذا اعتقد القادة الإسرائيليون أن الضربات العسكرية المتكررة والتهديدات والضغوط يمكن أن تحسم بصورة دائمة صراعًا استراتيجيًا مع قوة إقليمية كبرى، فإن هذا الاعتقاد قد يتحول إلى وهم سياسي خطير. فالعمليات العسكرية التكتيكية لا تعادل تسوية سياسية مستدامة، وتدمير البنية التحتية لا يقضي تلقائيًا على المقاومة السياسية، كما أن استعراض القوة العسكرية لا يضمن قبول الخصم بالشروط التي يفرضها الطرف المنتصر.
ويعكس وصف هذه الاستراتيجية بأنها «لعب أطفال» انتقادًا سياسيًا حادًا لنهج يخلط بين الإكراه وحل النزاعات. فإدارة شؤون الدولة بجدية تتطلب أكثر من التهديدات والاستعراض العسكري وافتراض أن الخصم سيستسلم في نهاية المطاف ويتخلى عن مصالحه.
ولإسرائيل مخاوف أمنية خاصة بها، تشمل البرنامج النووي الإيراني والقدرات العسكرية لطهران في المنطقة. ولا يمكن تجاهل هذه المخاوف، لكنها لا تبرر أيضًا دورة لا تنتهي من التصعيد، تؤدي فيها العمليات العسكرية إلى خلق مظالم جديدة وتهديدات إضافية وعقبات أخرى أمام الدبلوماسية.
وإذا كانت واشنطن وتل أبيب تريدان شرقًا أوسط أكثر أمنًا، فعليهما إدراك أن الأمن لا يمكن أن يقوم إلى أجل غير مسمى على افتراض أن إيران ستنهار في النهاية تحت وطأة الضغوط.
أزمة المصداقية الأمريكية وحدود القوة العسكرية
تكمن المشكلة الأعمق في أزمة المصداقية. ويشير منتقدو السياسة الخارجية الأمريكية إلى خلافات سابقة بشأن الاتفاقيات الدولية والعقوبات واستخدام القوة العسكرية، باعتبارها أسبابًا تدفع إلى التشكيك في استمرار الالتزامات الأمريكية. وينبغي فحص هذه الانتقادات حالةً بحالة، بدلًا من التعامل مع كل اتهام بنقض العهود باعتباره حقيقة مثبتة تلقائيًا. ومع ذلك، يكشف الجمود الراهن أن الوعود وحدها لا تكفي عندما يختلف الطرفان بشأن الالتزامات وترتيب التنفيذ ومخاطر تجدد الصراع.
ولا يمكن لواشنطن أن تتوقع من إيران قبول اتفاق تظل بنوده الأساسية غامضة، كما لا يمكنها مطالبة طهران بالتعامل مع المفاوضات باعتبارها منفصلة عن التهديدات العسكرية، في وقت أسهم فيه الصراع نفسه مرارًا في تقويض التقدم الدبلوماسي.
وإذا أرادت الولايات المتحدة إثبات أن تعهداتها جديرة بالثقة، فعليها طرح التزامات صريحة، ووضع جدول زمني قابل للتحقق، وتوضيح الالتزامات المتبادلة للطرفين، وتحديد آليات للتعامل مع الانتهاكات المزعومة. ولا تتطلب هذه الخطوات من واشنطن التخلي عن مصالحها الأمنية، بل تستلزم إثبات أن الدبلوماسية ليست مجرد أداة مؤقتة لانتزاع التنازلات.
وينبغي تطبيق المعيار نفسه على إيران. فعلى طهران أيضًا توضيح التزاماتها، والتعامل مع المخاوف المشروعة المتعلقة بأمن الملاحة البحرية، والإقرار بأن التسوية المستدامة تتطلب حماية حركة التجارة والاستقرار الإقليمي. فلا يمكن لأي اتفاق أن يصمد إذا تعامل أي من الطرفين مع الالتزام ببنوده باعتباره أمرًا اختياريًا.
وتوجه إيران رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن مرحلة توقع التنازلات التلقائية مقابل وعود غامضة قد انتهت. ويظل مدى قدرة طهران على الحفاظ على موقفها في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية سؤالًا منفصلًا، لكن المأزق الراهن يكشف حقيقة أساسية: لم تنجح أي من القوتين حتى الآن في بناء الثقة اللازمة لتسوية دائمة.
تمتلك الولايات المتحدة موارد عسكرية ومالية ودبلوماسية هائلة، لكن للقوة حدودًا. فلا تستطيع العقوبات صناعة الثقة، ولا تضمن التهديدات الخضوع السياسي، ولا يكفي التفوق العسكري وحده لإحلال سلام شرعي ودائم.
وفي المقابل، ينبغي لإيران أن تدرك أن قوة الدولة لا تُقاس بالمقاومة وحدها، بل أيضًا بقدرتها على تحويل أوراق التفاوض إلى مكاسب ملموسة ومستدامة. وستكون ثقتها الاستراتيجية أكثر أهمية إذا استطاعت انتزاع التزامات قابلة للتنفيذ، مع تجنب حرب أوسع تلحق الضرر بشعبها والمنطقة بأسرها.
وعلى إسرائيل أيضًا مواجهة حدود الاستراتيجية القائمة أساسًا على الضغط العسكري. فلا تستطيع أي دولة قصف طريقها نحو استقرار إقليمي دائم، بينما تتجاهل الظروف السياسية التي تُبقي الصراع مستمرًا.
ولا يحتاج العالم إلى جولة أخرى من التصريحات والتهديدات والدبلوماسية الاستعراضية، بل إلى التزامات قابلة للتحقق، وقواعد تنطبق على الجميع، وتسوية لا يمكن التخلي عنها بمجرد تغير الحسابات السياسية.
فإذا أرادت واشنطن أن تثق إيران في تعهداتها، فعليها إثبات أن هذه التعهدات تستحق الثقة. وإذا أرادت إسرائيل أمنًا دائمًا، فعليها الإقرار بأن التصعيد المستمر ليس بديلًا عن الحل السياسي. وإذا أرادت إيران تحويل قوتها الاستراتيجية إلى نجاح مستدام، فعليها توظيف أوراق الضغط التي تمتلكها للوصول إلى تسوية تحمي سيادتها دون التضحية بالاستقرار الإقليمي.
يمثل مضيق هرمز بؤرة التوتر المباشرة، لكن الثقة هي جوهر الأزمة. وما لم تُعالج هذه الأزمة بصدق، فسيظل كل مقترح جديد معرضًا للتحول إلى جولة أخرى من تبادل المطالب، وفرصة ضائعة جديدة، وتحذير إضافي من أن ملايين الأشخاص الذين لم يختاروا هذه المواجهة سيدفعون ثمن فشل الدبلوماسية.
https://www.middleeastmonitor.com/20261014-americas-broken-promises-irans-resolve-and-the-dangerous-game-over-the-strait-of-hormuz/

